ابن عربي

182

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

الصحيح « إن للّه سبعين حجابا من نور » وذلك لا تنافي بينه وبين قوله : « حجابه النور » لأنه جنس يصلح لشمول الأفراد وإن تعددت ، والحق أن حجب أنواره تعالى لا حصر لها ، لأنه ما من شيء إلا وهو حجاب من وجه ربنا ، وآية من آيات وحدانيته « وفي كل شيء له آية ، تدل على أنه واحد » وبذلك يعرف أن عدد السبعين ليس للحصر ، قال الأزهري وغيره من علماء اللغة : العرب تضع السبع موضع التضعيف وإن جاوز السبع ، وأصل اعتبار هذا العدد في تضعيف حجبه أن للّه تعالى صفات ذاتية وهي العلم والحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام ، فهذه سبع صفات ذاتية يتجلى سبحانه في حجب أنوارها بوجه توحيده فكانت هي مبدأ التضعيف في حجب أنواره تعالى ، ثم إن آيات صفاته تعالى في تجلياتها تتضاعف برتبة العشرة ، ورتبة المائة ، ورتبة الألف ، وأما سبحات وجهه سبحانه فقد ثبت في الصحيح « لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » وقد أولها العلماء رضي اللّه عنهم بجلاله تعالى وهو تأويل صحيح ، لكن وجه ربنا ذي الجلال والإكرام له بجلاله سبحات ، وله بإكرامه سبحات ، وإذا أردت أن تجري في التأويل على وفق الاستعمال اللغوي والقواعد التي مهدناها ، فاعلم أن السبحات جمع سبحة ، والسبحة في اللغة : ما يتطوع به من ذكر وصلاة وتسبيح ونحوها مما لا يحصر أفراده ، وقد ثبت أن أنوار الطاعات حجب وجهه سبحانه ، ونور الذكر شامل لجميعها ومهيمن على سائر سبحات الإكرام والجلال ، وقد قال تعالى : « فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ » فذكر اللّه تعالى لنفسه ولعبده سبحة وجهه شاملة لأنواع سبحاته ، وذكر العبد له نور حجابه ، فما دام العبد يشهد ذكره لربه ، فوجه ربه متجل عليه في حجابه بسبحة ذكره ، كما ثبت في الصحيح « أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني » ولا يزال العبد يذكر اللّه ، وذكره له يبعده عن شهود نفسه ونسبتها ، ويقربه من شهود توحيد ربه ، حتى ينكشف حجاب ذكره للّه ، وتتجلى له سبحة ذكر اللّه له ، هناك تحرق سبحته نسبة الأفعال والأذكار للعبد ، وتظهر نسبتها للرب ، كما ثبت في الصحيح : « ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي

--> من حيث عينها ، وإنما قصده وجه اللّه بتلك العبادة ، والإنسان لا ينفك عن الجهات لنفسه ، فلا بد أن يكون مستقبلا جهة من الجهات ، فدخل في « أين ما تولوا » ما عدا المشرق والمغرب من